Main topics

ديسمبر 17، 2012

ذكريات حرب مكان جميل وحديث مجروح *

صدفة جميلة، جمعتني مع الصحفي المتميز فتحي صباح مراسل جريدة الحياة اللندنية، والصديقات الصحفيات سامية الزبيدي، وريتا إسحق، جمعنا مقهى جميل، ما يميزه أن كل من يرتاده هم من المثقفين الذين لديهم قصص كثيرة للحديث بها، أو أفكار يناقشونها، مع قلة من العشاق يتهامسون، يغطي همساتهم صوت الأخرين المتردد بين جدران مقهى صغير، تكشفهم نظراتهم الحائرة، وعيونهم الخائفة من أجواء في غزة دائما ما تكون مسيئة للظنون.


بدأ الحديث حين كنا نشرب مشروب إختاره فتحي، محاولا إقناعنا بأنه لذيذ، فتركنا له الخيار، وبين "ملاكشاتنا" لجرسون المقهى حول أن الحساب سيكون عليه، حين قال أن للصحافة خصم 20 % من الحساب، كل منا أخرج بطاقته الصحفية، مرددين له أنا صحفي، أنا صحفية، أنا صحفية، أنا صحفية، نظر إلينا وحمرة وجهه تشتد فأنقذه صباح بقوله "يا عمي لا تخاف أنا رح أدفع الحساب"، ثم أخذنا الحديث بشكل تلقائي حول الأحداث الجارية، وذكريات كل منا بالحرب، كنت أعتقد أني أعرف ما مروا به لكن تبين لي أن لكل منا حكاية، وكل منا خوفه يختلف عن خوف الاخر، منا من كانت مخاوفه تؤلمه أكثر من جروح عميقة، تترك أثرها فينا، ومنا من كان يعبر عن مخاوفة بأطروحة عجيبة، بكاء أو صراخ أو كتابة، أو إنتظار قاتل. 

الحديث بدأ حين قال الأستاذ فتحي بأن "بلادنا تغيرت كثيرا مررت ببرير التي لم أعرفها إلا من إسمها أثناء رحلتي إلى القدس، للإطمئنان على طفلتي التي ذهبت للعلاج هناك.. مستعمرات في كل مكان، جمال فلسطين، وروعتها إغتصبتها تلك المستوطنات الخبيثة كالسرطان تربط كل الأجزاء من الأرض وتنتشر فيه".

كشف حديثه عن حزن بالغ الأثر بين أضلعنا، كنت أنظر إلى عيونهم جميعا كانت تغرورق دمعا، تذكرت بلدتي الاصلية "سمسم"، قطعت حديثه وسألته بلهفة: "هل رأيت سمسم؟".

وصف لي ما رأى، لكن لا أعرف كيف ساقنا الحديث عن أرضنا الجميلة والمسروقة في القدس والضفة، إلى غزة المجروحة، التي أنهكتها حرب ضروس، عادت الكلمات متقاسمة، فتحي قال أن غسان إبنه الأكبر الذي كان بالمنزل القريب من إحدى المواقع التي إستهدفت وصف لوالده كيف شاهد بأم عينيه ابن الجيران وهو يقفز من شرفة منزلهم إلى الشارع من شدة الإنفجار الذي طاول منزل عائلة أبو شباك، "فتحي" كان في القدس ونصفه الاخر كان هنا مع أبنائه ومع كل ما يحب  هنا في غزة.

ريتا كانت تسمع وتصرخ كل مرة كنا نأتي بأحداث ربما لم تشهدها أو لا تريد أن تتذكرها، وكم مرة ناشدتنا "يكفي، قلبي يؤلمني دون إعادة تلك الذكريات الخبيثة التي تسري بيننا كالماء الحارق وبين عروقنا كالمرض الخبيث".
ريتا لم تتحمل ذلك الحديث ، لكنها أخيرا إستسلمت لذكرياتها أيضا ، تلك الذكريات تقعدنا دائما عن الدفاع حتى عن ما نرغب ، قالت لنا أن الله من نجاها من موت محتم حين كانت تغطي الأحداث مباشرة من غزة " سحبني زملائي حين قصفت إسرائيل موقع بجانبي ، شدة الإنفجار مزق كنزتي ، لم أصدق ، كم حزنت على من إستشهد ".

 فضول الصحافة اللعين يلاحقنا لإكمال ما يحدث، سامية التي كانت تنتظر متى يأتي وقت فض هذه الجلسة، عهدتها دائمة التفاؤل، لكنها لم تبتسم كثيرا منذ أن رحلت تلك الآليات القاتلة مؤقتا عن غزتنا، وكل مرة كنت أواجهها بسؤال عن حالها، ربما هي لا تحتمله، كانت تنظر إلى بعينيها الخضراوين اللامعتين، ثم تجبر شفتاها على إبتسامة مصطنعة، قالت أخيرا: "أكثر ما آلمني حقا موت الأطفال، دفنهم تحت ركام بيوتهم، الخوف الذي يملأ عيونهم".

 سامية كانت تلملم خوفها، تضع أمامه ضميرها الصحفي، وتشجع من حولها للخروج للعمل تحت القصف وخطر الموت بعد أن تؤمن  أطفالها، وتبدأ بالكتابة لكنها لا تنتهي بارسال قصصها التي أدمت قلبها وأبكتها، فتستمر في السؤال عمن كانت الحرب صدفة لقائها بهم، كنت أقرأ في عيونها الحزينه أن كل هؤلاء الأطفال هم أطفالها". 

حين ذهبت للقاء أبناء فؤاد حجازي، الذين نجوا بأعجوبة بعد القصف، تحدثنا، قالت لي: وهي تصرح عليّ بضرورة أن نوفر جهاز طبي لنور التي خرجت من المجزرة التي استهدفت عائلتها بكسر في عمودها الفقري،  وبدأنا نبحث لها عن جهاز ... سامية كانت أكثرنا تأثرها رغم حديثها القليل . 

وأعتقد أن حديثي المستمر يفرغ ما بداخلي من آلام وأوجاع خلفتها الحرب على غزة..لكني أشعر أن كل من حولي إختلفت معهم الحياة، لا طعم ولا رائحة ولا مزاج جيد، رغم أن الأماكن الجميلة في غزة كثيرة .
صادفت الكثير من الأطفال ، والأمهات، قلبي كان يتمزق كل مرة أكثر من المرة التي تسبقها، كنت أعتقد بأن كثرة الأحداث ربما تخدر إحساسي، أو تغيبه، لكني كنت دائما أصمت دون الحديث ، كنت أخفي جرحي عن زوجي حتى لا يوقفني عن العمل ليحميني، أحيانا كانت كلماتي تتجه إلى أمي الحنونة الرائعة، لتوقفني بحشرجة في صوتها، والام بدموعها المنهمرة صارخة بوجهي "توقفي يا ماما عن الحديث " أعود للوم ذاتي لم أؤلم قلبها أحاول تلطيف مزاجها فأفشل، فضول أمي حول ماذا حدث عن فلان وفلان ممن ذهبوا ضحية هذه الحرب لم يمنعها عن سؤالي دائما ماذا جرى لهم، كيف هي أحوالهم ، كنت أشعر بقلبها الملهوف لأخبارهم رغم عدم معرفتها بهم، لكني في الأيام الأخيرة أخفيت عنها الكثير، وإكتفيت بقولي لها هم بخير يا أمي .
كنت أخرج دائما، وكانت دائما ترجوني لا تخرجي يا بنيتي، لا تؤلمي قلبي عليك، رائعة يا أمي إليك كل التحية.

لكن المكان الجميل لا يمنعنا دائما من البوح بذكريات وأحاديث مجروحة .

* الحلقة الثالثة من حكايا الحرب تكتبها الصحافية روان الكتري بعنوان "ذكريات حرب"

هناك تعليقان (2):