Main topics

ديسمبر 20، 2012

ذكريات حرب ....من حرب إلى حرب، والمأساة واحدة *

ماجد الصليبي بعد إصابته ، تصوير- روان الكتري 
أحمر الوجنتين، جميل الطلعة، لطيف الإبتسامة، خائف مجروح، ولا يعلم ماذا أصابه، ولماذا؟.
السنين الثلاث التي قضاها على وجه الأرض لم تسعفه بعد  فسر هذه المعادلة الغريبة والصعبة.

نار، وحرب، وإصابة بالغة، ودماء على ملابسة وكرته الصغيرة.

بين أزقة مخيم خانيونس جنوب قطاع غزة كان الطفل ماجد الصليبي حكاية من حكايات كثيرة، تروى هناك، بعد أن إرتوت بدماء كانت الأغلى في حياة كل منا.

حكاية سطرتها دماء هذا الطفل، وأشلاء أصابعة المبتورة على الأرض، ويده التي فقدها بلمح البصر، بعد قصف إستهدف منزلا بجوارهم ، والدة ماجد لديها التفاصيل...
" في السابع من يناير2003 قالوا لي أن زوجي ماجد أصيب إصابة بالغة بالرأس جلست بجانبه طوال 30 يوما وأنا أناشد الله أن يعيده إلى الحياة، وفي السابع من فبراير 2003 أعلن عن استشهاده، إحتسبته، وصمدت، وكتمت جرحي الكبير، و دعوت أن يعوضني عنه خيرا في أطفالنا الأربعة.
بعد ثلاثة أعوام تزوجت بأخيه حسين، وهبني الله طفلي الأول ماجد في يوم ميلاد زوجي السابق الشهيد، وأنجبت أحمد قبل حرب الرصاص المصبوب بخمسة أيام، أذكر ذلك اليوم جيدا حينما كنت أحضر الطعام لزوجي وأبنائي وأنا في غاية المرض والتعب، آثرت على نفسي وجمعت ما تبقى من قوة في جسدي لأصنع الطعام لهم، ماجد يقول لي: "ماما فلتأكلي معي"، جلست بجانبه والخوف يملأ قلبي من هذه الحرب، وإحساس لا يفارقني بأن القادم أسوأ، فاجعتي بالشهيد ماجد أفقدتني السيطرة على ذلك الخوف الذي كان يطاردني في كل لحظة من حياتي .
قبل أن يرتفع اذان العصر بقليل خرج ماجد مع أخيه للعب في باحة صغيرة أمام المنزل، عطب بالكرة دعا الأطفال للتفرق كل إلى منزله، بعد إلحاح شديد من ماجد لشراء كرة أخرى، أبنائي تابعوا طريقهم إلى دكان صغير، خطوات قليلة فصلت ماجد عن أخيه الأكبر، سقطت قذيفة على منزلنا أصابت ماجد ، لحظتها إهتز قلب ، صرخت وناديت "حسين إذهب للبحث عن ماجد".

خرج مسرعا، وأدركت أني فقدت شيئا، شعوري جرني إلى مكان الحدث، ثم أعادني حيث كنت، لا أريد أن أرى ماجد ....." صمت الكلام لحظتها .
لكنها عرفت أني على وشك سؤالها، ماجد لم يكن الوحيد الذي خرج من المنزل ؟؟؟ فقالت " كنت أشعر بالخوف على ماجد، لم يراودن أي شعور بأن مكروها اصاب بلال، كنت متأكدة أنه بخير ..لا أعرف لماذا؟؟... حتى جاءت إحدى الجارات تقول لي ماجد بخير لا تقلقي ، لحظتها لم أع شيئا .
ركضت بلا وعي إلى مستشفى ناصر رأيت زوجي حسين يمسك بملابس ماجد وكلها غارقة بدمائه، حاول طمأنتي "لا تقلقي إنه بخير إصابته بيديه ، لم أصدق لكني صمت ، لم أصرخ ، لم أبك، لم أحدث أحدا...
خرج ماجد من غرفة العمليات يداه مصابتان ، ووجهه مغطى ...
صمتت أم بلال، صمتت صمتا طويلا، بكت، وكفكفت دموعها، تابعت فقط بكلمات " أحمد الله أنه بخير".
سألتها مرة أخرى " وجهه بخير .." أجابت " بعد أكثر من عملية تجميل عاد وجه جميلا ، لكن يده اليسرى مشوهة واليمنى مبتورة ..."
ماجد الصليبي، تصوير- روان الكتري 


توقفت أسئلتي، وعجزت عن التعبير، قلت لها ضريبة علينا أن ندفعها ، في ذلك الوقت كنت أردد مقولة أنها ضريبة الحرية والأرض، حين أنجبت، ووهبني الله طفلتي علمت أن الثمن غال جدا بل قاتل.
ماجد كان يبلغ من العمر 3 أعوام، ربما كان ممسكا بسلاح فتاك يريد الفتك بـ"إسرائيل"، في ذلك الوقت فقد يده ، لكنه لا زال يرسم بها ، قابلته بعد شهر من إصابته، وبعدها بأشهر، كل مرة كان هذا الطفل يعلمني درسا جديدا، إلي أن إنقطعت أخباره عني، تذكرته كثيرا بعد حرب الثمانية أيام على غزة، متسائلة "كيف حالك يا ماجد بعد أربعة أعوام مضت من حياتك ، هل تأقلمت مع يدك وتأقلمت معك"..
ما أستطيع أن أجزمه أن ماجد كان مثالا لكثير من أطفال وقعوا ضحية حرب الثمانية أيام على غزة، كان يقول لأمه دائما، لا تطفئي النور يا ماما حتى لا تأتي النار لتأخذني، وكلما غضب من أحد أخوته يذهب لإلتقاط سكين مهددا إياه ببتر يده  أم بلال في ذلك الوقت كانت تخاف خوفا شديا عليه، وعلى تغير سلوكه "ماجد ليس من أنجبت، لكني سأحافظ عليه طالما أنا على قيد الحياة".
أم بلال إحدى الأمهات الصامدات ، والمفجوعات أيضا ، لكن المعادلة في غزة تختلف عن كل العالم ، في غزة الأم المفجوعه دائما تكون الأقوى، بصمودها وقوتها . 
ذكريات حربنا أخذتنا لحرب 2008_2009 .
كلها حروب ،تختلف بتواريخها، وتتشابه في ما تترك خلفها من آلام ومآسي..
ماجد الصليبي،  تصوير -روان الكتري
** الحلقة الرابعة من حكايا الحرب تكتبها الصحافية روان الكتري بعنوان "ذكريات حرب"

هناك 3 تعليقات: