Main topics

نوفمبر 22، 2012

ثمانية أيام من الموت والمقاومة، وحياوات من الألم والعمل في الانتظار

مصعب حجازي، التوأم الناجي- تصوير سامية الزبيدي

ربما وضعت الحرب أوزارها في قطاع غزة، مع اعلان التوصل لاتفاق تهدئة بين الجانبين الفلسطيني والصهيوني برعاية مصرية مباشرة، ووساطة دولية متعددة، بعد ثمانية أيام من القتل والدمار، لكن ايضا من المقاومة الشرسة الفذة.
وبغض النظر عن فحوى هذا الاتفاق، وتجلياته العملية في واقعنا الغزي، فإن ما ينتظر أهل غزة والمنكوبين فيها بالفقد والهدم والتخريب هو حياوات من الألم والعمل..ألم على ما خسروه، وعانوه، وعمل لتقطيب جراحاتهم، ومداواة خوف ابناءهم، وإعمار ما تهدم.

وينتظر ذوي الشهداء، اياد يوسف أبو خوصة (عام وسبعة أشهر)، ومحمد ابو زور (4 اعوام)، وسارة (7 أعوام)، وجمال (5 اعوام)، يوسف (3 أعوام)، وابراهيم الدلو (عام واحد)، وصهيب (عامين)، ومحمد (3 أعوام)، وأكثر من خمسين طفلاً قتلوا بدم بارد، بضغطة زر من جندي صهيوني في طائرة حربية لا ترى ولا تحس بمن يُقتل، ينتظرهم أمل أكبر.


هؤلاء الأطفال، وغيرهم الكثيرون، دفنوا تحت ركام منازلهم، وسفكت دماءهم في أحضان أمهاتهم وأباءهم الذين لم يستطعوا لهم شيئاً، في عدوان بشع انتهك حرمة الناس وأمنهم في قطاع غزة، مخلفاً أكثر من 160 شهيداً، والف جريح، جلهم من الأطفال والنساء وكبار السن.

وشاهد الفلسطينيون ومعهم كل العالم على شاشات الصحافة التي استهدفها الاحتلال هي ايضاً، كيف انتشلت رجال الدفاع المدني أطفال غزة ونساءها ورجالها من تحت الركام والتراب...هذه المشاهد التي حفرت عميقاً في داخل كل فلسطيني، عايش الخوف، والحزن، والقهر على أطفال تناثرت جثثهم، أو دفنت تحت الانقاض.


لينا غبون (عامين) كانت بصحبة والدتها فاطمة صلاح (20 عاما) في منزل عائلة والدها سليمان صلاح حينما قصفت طائرة حربية صهيونية المنزل، فقفزت لينا من شدة الانفجار الى سطح منزل مجاور، فيما نجت والدتها من الموت على رغم دفنها واخوتها وأمها ووالدها العشرة تحت الركام.

لينا غبون أثناء تقطيب جروحها- تصوير سامية الزبيدي
كانت لينا تبكي ألماً وخوفاً بين أيدي الأطباء في مستشفى الشفاء وهم يحاولون تقطيب جروحها العديدة في الرأس، والتخفيف من آلام الرضوض التي ملأت جسدها الغض.

أما أمها التي وقفت على مقربة وهي تحاول اخفاء دمعها ولهفتها، فقالت لـ"النظرة": "اليوم عيد ميلادها..كادت تموت..الحمد لله لم أصدق أنها لازالت على قيد الحياة".

وتساءلت فاطمة: "ما ذنب هؤلاء الأطفال الأبرياء؟ لماذا يقصفون الناس في بيوتهم الآمنة؟".

أما اسلام البحيصي (16 عاما) فكانت تروح عن نفسها قليلاً على شرفة منزلهم في دير البلح، حينما عاجلتها شظية تطايرت من صاروخ تفجر في أرض مجاورة لمنزلها، فأردتها في بركة من الدماء.

والدتها منال (35 عاما)، بذلت جهود كبيرة للسيطرة على دمعها وهي تروي ما حدث: "كنت أقف الى جانبها، أنا واخوتي، فقط لحظة ذهبت للمطبخ، عدت مع صوت الانفجار، فرايتها غارقة في دمائها، واخوتها حولها يصرخون".

ولازالت منال تنتظر استيقاظ ابنتها التي أصيب هشمت شظية جمجمتها أمام باب غرفة العناية الفائقة بمستشفى الشفاء، وتبتهل لله  أن ينقذها.

وللحاجة سارة أبو خوصة (66 عاما) حكاية متكررة مع الموت والفقدان، فها هي تخسر كنتها وحفيدها اياد بعد ابنها الذي يحمل الاسم نفسه، ففي كل حرب لها فقيد كما تقول.

صهيب أبو خوصة (7 أعوام)- تصوير سامية الزبيدي
ورغم خسارتها في منزلها الذي تعرض لتدمير جزئي نتيجة القصف الذي طار باحته، فإنها تقول: "ياريت راح كل شيء وظل اياد".

والدة الشهيد اياد، كانت على مقربة من حماتها، منهمكة في التخفيف من آلام طفلها صهيب، الذي أصيب بشظية في فكه، وخضع لجراحة طويلة، قالت لـ"النظرة" بصوت، حشرجحه عمق المصاب: "سرقوا حياتي..اياد كان حياتي".


هناء أبو زور، كانت في حالة نفسية صعبة، فهي تبكي حيناً، وتصمت حيناً آخر، وتندفع لرواية ما حدث أحياناً أخرى، وكأنها بذلك تحاول أن تستجمع شتات نفسها لتفهم ما حدث.

استشهدت كنتها نسمة (20 عاما) تاركه وراءها طفلين، كما استشهد ابن ابنها الثاني الذي لا يتجاوز الاربع أعوام.
وأصيب زوجها، وابنتها هنادي (13 عاما)، وابنها محمود (5 سنوات)،  وابن ابنها بجروح خطرة تهدد حياتهم، فيما تجاوزت ابنتها هديل التي اصيب بشظية في الرأس مرحلة الخطر.

أما ريم (27 عاما)، وبدور (25 عاما)، ونورا (23 عاما)، اللواتي حمتهن بيوت الزوجية من الاستشهاد قصفاً مع أمهن واخواتهن وطفلات أخاهن محمد عد قصف منزل والدهن جمال الدلو بحي الشيخ رضوان، فتحدثن لـ"النظرة": كيف فقدن أمهن التي عادت حديثاً من مكة المعركة بعد أداء مناسك الحج، بعد انتظار دام سبعة سنوات، وكيف فقدنها وهن لم يرتوين من جلساتها بعد؟ وكيف خسر أخوهن محمد زوجته وابناءه الأطفال الأربعة من دون سابق انذار؟، وكيف حرمن من توديع شقيقتهن يارا التي لم تعثر فرق الانقاذ سوى على يدها وسط الركام؟.

وتقطعت قلوبهن على الرجال الثلاثة الذين أمسوا فلم يجدوا من يؤنس وحدتهم، ويخفف مصابهم، والدهن، وشقيقي الروح محمد وعبد الله.

ولفؤاد حجازي، وزوجته، وأطفاله قصة قاصمة في وجعها، فالأب الذي يجمع جيرانه على بساطته وطيبته، رحل مخلفاً وراءه زوجة مجروحة ومكلومة، بفقدها زوج وأبناء، وبيت جديد لم تهنئ به بعد.
أسامة، وسندس، ومصعب الذي فقد توأمه- تصوير سامية الزبيدي
أما أطفالها، نور، وأشرف، ومصطفى، سندس، واسامة، ومصعب الذين كتب الله عمراً رغم أنف المحتل، فإن امامهم طريق صعب ومؤلم، لن ينجحوا بعبوره من دون تكاتف الأيدي حولهم.

فنور، مكسورة العمود الفقري في ثلاث فقرات، وأشرف ومصطفى ووالدتهما لازالوا في المستشفى لمداواة جروحهم العديدة، أما الأطفال أسامة وسندس ومصعب، فحالتهم النفسية تتبدى من نظراتهم، والألم الذي يطل منها، ولا يجد من يخفف منه، في ظل غياب الأب والأم والأخوة الكبار.

في قادم الأيام، تحدٍ كبير، أمام الأهل، والمجتمع، ومؤسساته الحاضنة اقتصادياً، ومجتمعياً، ونفسياً..فلنشد الهمة في اتجاه البناء والعمل، واحترام تطلعات شعبنا، فلنعيد الاعتبار لقضيته، ووحدته، ونضاله الوطني.


في هذا الفيديو، بعضا من معاناة العدوان، التي مازالت ماثلة:




هناك تعليق واحد: