Main topics

ديسمبر 12، 2012

"ذكريات حرب"....بين خوف وخوف *

قبل تسعة عشر عاماً من هذا اليوم كان في السابعة من عمره، يلتقط حكايا الجارات مع والدته الطيبة، يقفز من حولها، بعد أن يُسقط حقيبة مدرسته على باب منزله في المخيم، حيث إعتاد وأصدقائه اختراع لعبة من أمهات أفكارهم من أجل قضاء الوقت، كانوا يفرحوا بالتحرر من قيود صفوف المدرسة، ثم يعود بعد أن ينهكه التعب ليحوم حول والدته التي تجلس بين الأزقة مع جاراتها لجمع ورقات الملوخية من أغصانها، في ذلك الوقت كانت إسرائيل تجتاح كل نفس من أنفاسهم، تعتقل من تشاء، ونتنتقم من تشاء، وتقتل من تشاء.


دخلت والدته الى المنزل تنادي على أبنائها للإصطفاف حول مائدة طعام صغيرة، على أرض متعرجة، بسطت تحتهم فراش بسيط، وبدأت تضع لكل منهم طبقه الذي لا يتسع إلا لحبيبات قليلة من الأرز مع طبيخ الفاصولياء ، كان يلتقط من أخيه الأصغر منه مباشرة بعض الطعام، لعدم إقتناعه بما لديه .

إلى أن دخل والدهم وتربع معهم على المائدة، إلتزم الصمت والهدوء وبدأت أصوات الأفواه الجائعة يسيطر على الأجواء، لم يعكرها سوى بعض الضربات على باب المنزل، قام والدهم مفتول العضلات ، صارخا: "من هذا".
لم يكد يفتح الباب حتى كتفه جنود الإحتلال، وإنتهكوا حرمة المنزل، مارين بسرعة لإلتقاط أكبر الأولاد، والصغار ينظرون خائفون، لحظات من الإرتباك والتوتر، حامت حول المكان بظلال قاتلة.

اعتقلوا الإبن الأكبر  دون مقدمات أو أي كلام، قتلت صرخة الأم ذلك الصمت الخائف بين جدران تصدعت كثيرا "أتركوه" لم يكن جوابهم إليها إلا ضربة على رأسها بإحدى هرواتهم المميتة ففارقت الحياة .
"كبرنا وكبر ذلك الموقف معنا أكثر ، عشت خائفا طوال عمري، إلى أن رحلت عن هذه البلاد للدراسة، عدت بعد عشرة أعوام، لأشهد حرب الثمانية أيام, تركت منزلي في رفح لأقيم عند شقيقتي التي توفي زوجها منذ فترة قصيرة، لمواساتها، ومساعدتها مع أطفالها الصغار، لكني كنت أكثر ضعفا، ووهنا، وخوفا من أن أساعد أحداً، كنت خائفا الى حد عدم تصديق نفسي بصدق ما سمعت من أن التهدئة أعلنت.

أحمد محدثنا  كان في السابعة من عمره, حاول أن ينقذ والدته لكنها غادرت مفارقة حياتهم، ليرسم إستشهادها لهم مستقبل يختلف عن مستقبل كثير من الأطفال، الذين ينعمون في حنان أمهاتهم, كبر وترعرع , لكن الطفل الذي صرخ ليقول للعالم انها أمي لا تأخذوها لم يكبر في داخله, يحدثنا " لم أشعر بطفولتي لكني عشت حياتي كالميت الحي".

في كل مرة كانت إسرائيل تغير علينا، كان أحمد يعود للحظة فارقت طفولته  فيها الحياة، لكن العدوان الأخير على غزة كان مختلف, بعد غربته لأعوام عشر درس فيها في الخارج, عاد لتعود إسرائيل لإستقباله بحرب ضروس, يحدثنا عن لحظاته كيف قضاها بين قصف, وتدمير, وقتل, وخوف: "كنت خائفا أكثر من كل أطفال غزة".


* الحلقة الثانية من حكايا الحرب تكتبها الصحافية روان الكتري بعنوان "ذكريات حرب"

هناك تعليقان (2):